تبارك صوت المؤذن.. إنها المغرب.. لم يُسدل الظلام ستاره بالكامل بعد، وكأنه ستارٌ نصف مُظلم، داخله ظلامٌ وما يظهر أمامه نور. تذكرتُ نخلةً صغيرةً تقف قرب قبر أبي، رأيتها من بعيد، كشبحٍ رماديٍّ يمدّ ذراعيه في ظلامٍ مُتردد. مشيتُ بخطواتٍ مُضطربةٍ وخائفة، أتحسّس طريقي بحذر، مُحاولًا أن أُدرك إن كان هناك قبرٌ تحتي كي لا أتجاوزه. تذكرتُ أمي وهي تركض خلفي وأنا صغير.
أُحاول تجاوز القبور، ولكن لا نور الآن، والآن أتحسّس ذنوبي أكثر فأكثر، مُحاولًا الوصول إلى النخلة قبل أن تختفي في ظلامٍ دامس. أتحرك ببطء... هذا تراب يرتفع قدمًا عن الأرض... أتراجع قليلًا... أغير مساري، ربما يكون قبرًا... أواصل السير... هذا تراب أعلى بحوالي قدم أيضًا، لكن قدمي قد وطئته كله... أواصل السير رغماً عني. أرفع رأسي... أنظر إلى الكف... إنه قريب الآن، سأقطع حوالي عشرين خطوة، الآن ليس شبحًا ينهض في ظلام متردد، بل لوحة لفنان قاتم المزاج!